محمد مهري كركوكي
70
رحلة مصر والسودان
« مبدأ الدولة الطولونية » ان الأمة العظيمة التي يدعوها بعض المؤرخين تركية وبعضهم تترية وفيها شعوب التركمان والمغول والتتر تشغل بقعة من الأرض في آسيا الشمالية تمتد من نهر جيحون إلى حدود الصين ويحدها شمالا الاوقيانوس المنجمد . ونظرا لما بينها وبين شبه جزيرة العرب من الابعاد والجبال والادودية والأنهار مما لا يسهل تخطيه كانت في مأمن من غزوات العرب وفتوحهم وفي غنى عن معاهداتهم أو غير ذلك مما يستدعلى ارتباطهما الواحدة بالأخرى . الا ان الشعوب التركية أخذت من عهد الخلفاء الراشدين في غزو بلاد التتر مما يلي بلادها والعرب أيضا كانوا يفعلون مثل ذلك مما يلي ولاياتهم وما زالوا يفتحون فيها حتى بلغوا حدود تركستان وما وراءها فافضى الامر إلى تزاحم هاتين الأمتين فتنازعتا فقامت الحرب بينهما سجالا مدة طويلة في أماكن مختلفة وكان الاستئسار بينهما متبادلا فكان العرب يرسلون باسراهم من الترك إلى بلاد الخلافة بمثابة الجزية لاستعمالهم في منازل الخلفاء وكبار الامراء ويدعونهم بالمماليك والمماليك الذين كانوا في دورا الخلفاء كانوا يمتازون غالبا بالقوة البدنية والعقلية وكانوا يتقربون من أسيادهم شيئا فشيئا حتى استخدموهم في بلاطهم وقد كان المماليك في بادىء أمرهم في ظلمات من الجهل والهمجية وعلى ابعاد من الفضيلة وشعائر الدين لا يعرفون القراءة لكنهم بمخالطتهم للأمراء ورجال الدولة أصبحوا على جانب من التهذيب والاستنارة لاعتناقهم الديانة الاسلامية ثم تدربوا شيئا فشيئا في شؤون الدولة فبرعوا في السياسة وتدبير الاحكام وإدارة الاعمال فعظموا في عين الخلفاء فلما كثر تمرد ولاة الأمصار صار الخلفاء يعهدون إليهم ولاية الأمصار فكثر أنصارهم فأقاموا لهم احزابا من أبناء البلاد ينجدونهم عند الحاجة . ولم يكن ذلك كل ما فعله الخلفاء لكنهم كانوا يبذلون المبالغ الوافرة في ابتياعهم ينتفون منهم الممتازين جمالا وقوة وذكاء ليدخلوهم في خدمتهم الخاصة . ومن ذلك ما فعله الخليفة المعتصم إذ رغب في تعزيز حاشيته فابتاع من أولئك المماليك الوفا فوق ما كان عنده منهم وأمر بتدريبهم على استعمال السلاح والحاقهم بالجيش ليختار منهم متى شاء من يصلح لبطانته فكبرت نفوسهم وجعلوا يعيثون فيمن حولهم فكثرت التشكيات في حقهم وكثر الهرج في بغداد حتى اضطر المعتصم إلى بناء مدينة سامرّا لاقامته معهم وكان للمعتصم باللّه بطانة من المماليك عليهم رئيس يقال له « طولون » من قبيلة